ابن الجوزي
285
صفة الصفوة
ولّى هاربا مستوحشا . فقلت له : يا أخي ، موعظة لعل اللّه عزّ وجل أن ينفعني بها . فالتفت إليّ وهو مارّ فقال : يا أخي ، احذر الحق فإنه غيور ، ولا يحبّ أن يرى في قلب عبده سواه . 873 - عابد آخر إبراهيم بن الجنيد قال : حدثني أبو فروة السائح قال : بينا أنا أسح في جبل لبنان إذ جنّ الليل عليّ وأنا في بعض أوديته فإذا بصوت محزون وهو يقول : يا من آنسني بقربه ، وأوحشني من خلقه ، وكان عند مسرّتي ارحم اليوم عبرتي ، فدنوت منه فإذا شيخ قد سقط حاجباه على عينيه . فلما أحسّ بي نفر وقال : إنسيّ أنت ؟ قلت : إنسيّ . قال : إليك عني ، فمنكم فررت . 874 - عابد آخر يوسف بن الحسين قال : سمعت ذا النون يقول : بينا أنا أسير على جبل لبنان في جوف الليل إذا أنا بعريش من ورق البلّوط ، وإذا شاب قد أخرج رأسه من العريش بوجه أحسن من القمر . فقال : شهد لك قلبي في النّوازل بمعرفة درجة الفضل لك ، وكيف لا يشهد لك قلبي بذلك ولا يحسن بقلبي أن يألف غيرك ؟ هيهات لقد خاب لديك المقصّرون عنك . ثم أدخل رأسه في عريشه وفاتني كلامه ، فلم أزل واقفا إلى أن طلع الفجر ثم أخرج رأسه فنظر إلى القمر فقال : إلهي أشرقت بنورك السماوات ، وأنارت بنورك الظّلمات ، وحجبت جلالك عن العيون فوصلت به معارف القلوب ، ثم قال : بالتجائي إليك في حزني انظر إليّ نظرة من ناديته فأجاب ، فوثبت إليه فسلّمت عليه فرد عليّ السلام . فقلت : رحمك اللّه أسألك عن مسألة ؟ قال : لا . قلت : ولم ذاك ؟ قال : ما خرج روعك من قلبي . قلت : حبيبي وما الذي أفزعك منّي ؟ قال : بطالتك في يوم شغلك ، وتركك الزاد ليوم معادك ، ووقوفك على الظّنون يا ذا النون . فوقعت مغشيا عليّ . فما أفقت إلا بحرّ الشمس . ثم رفعت رأسي فلم أره ولا العريش . فقمت فسرت وفيّ منه حسرة .